الجصاص
220
الفصول في الأصول
وأيضا : لو سلمنا لهم أن لفظ الأمر يتناول الفعل ، لما صح أن يكون الفعل مرادا بالآية عندنا ، وإن رجع الضمير إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأن الجميع متفقون : أن الأمر الذي هو القول مراد ، وإذا صح أن ذلك مراد امتنع دخول الفعل فيه ، لأن اللفظ الواحد لا يجوز عندنا أن يتناول معنيين مختلفين ، على ما بينا فيما سلف . وأيضا : فلو سلمنا لهم جميع ما ادعوه في الآية : من أن المراد بالأمر هاهنا : طريقته ، وشأنه ، وأن الضمير راجع إلى النبي عليه السلام ، لما صح الاحتجاج بعمومه في إيجابه ، لأنه لا يصح اعتقاد العموم في لزوم سائر أفعاله لنا ، وما لا يصح اعتقاد العموم فيه لم يجز اعتبار العموم فيه على ما بينا في أول الكتاب ، فيصير حينئذ تقديره : فليحذر الذين يخالفون عن بعض أفعاله ، فيحتاج ذلك البعض إلى دلالة في إثبات حكمه ، ولزوم فعله ، لأنه يصير مجملا ، مفتقرا إلى البيان . فإن قيل : قوله تعالى : ( فاتبعوه ) يقتضي وجوب فعله علينا . قيل له : قد بينا أن هذه الدلائل تدل : على أن فعله ليس يقتضي وجوبه علينا ، لتعذر اتباعه فيه ، عند فقدنا العلم بالوجه الذي أوقع عليه الفعل ، لأن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم لابد من أن يكون طاعة ، ومتى فعلناه على جهة الوجوب ونحن لا نأمن أن يكون هو قد فعله على غير هذا الوجه ، فليس ذلك بطاعة ، فلا نكون متبعين له . فإن قيل : قال الله تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) ( 1 ) وهذا يدل على وجوب التأسي به ، لأنه قال : ( لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ) ( 2 ) ومعناه يخاف الله . قيل له : هذا يدل على نفي الوجوب ، لأنه قال : لكم أن تتأسوا به ، وهذا ندب وليس بإيجاب ، وغير جائز حمله على الوجوب إلا بدلالة ، لأن قول القائل : كان ( 3 ) يفعل كذا لا يقتضي الوجوب ، وإنما كان يدل على الوجوب ، لو قال : عليك به ، أن تفعل كذا . فإن قيل : يجوز أن يكون معناه : عليكم . كما قال تعالى : ( وإن أسأتم فلها ) ( 4 ) وقوله تعالى : ( ولهم اللعنة ) ( 5 ) معناه عليهم .